ابن ميثم البحراني

153

شرح نهج البلاغة

مَقَالِيدَهَا - وسَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ والآصَالِ الأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ - وقَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ - وآتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْيَانِعَةُ أقول : المقاليد : المفاتيح جمع مقلد بكسر الميم . واليانع من التمار : المدرك . وهذا الفصل يشتمل على تمجيد اللَّه سبحانه وإظهار عظمة سلطانه . فانقياد الدنيا والآخرة له بأزمّتها : دخولها ذلّ الإمكان والحاجة إليه . وقوله : وقذفت إليه السماوات والأرضون مقاليدها . كقوله تعالى « لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ » ( 1 ) قال ابن عبّاس ومقاتل : المراد بمفاتيح السماوات والأرض الرزق والرحمة ، وقال الليث : القلاد : الخزانة . ومقاليد السماوات والأرض خزائنهما ، وأقول : لفظ القذف مجاز في تسليمها وانقيادها بزمام الحاجة والإمكان إلى قدرته مع جميع ما هي سبب في وجوده في هذا العالم ممّا هو رزق ورحمة للخلق ، وكذلك لفظ المفاتيح على رأى ابن عبّاس استعارة للأسباب المعدّة للأرزاق والرحمة ، وتلك الأسباب كحركات السماوات واتّصالات بعض الكواكب ببعض وكاستعدادات الأرض للنبات وغيره ، ووجه الاستعارة أنّ هذه الأسباب بأعدادها الموادّ الأرضيّة تفتح بها خزائن الجود الإلهيّ كما تفتح الأبواب المحسوسة بمفاتيحها ، وكلَّها مسلَّمة إلى حكمه وجريانها بمشيئته ، وعلى قول الليث فلفظ الخزائن استعارة في موادّها واستعدادتها ، ووجه الاستعارة أنّ تلك الموادّ والاستعدادات تكون فيها بالقوّة والفعل جميع المحدثات من الأرزاق وغيرها كما يكون في الخزائن ما يحتاج إليه . وسجود الأشجار الناضرة له بالغدوّ والآصال : خضوعها وذلَّها تحت قدرته وحاجتها إلى جوده ، ونسب قدح النيران إليها لما أنّها السبب المادّيّ وإن كان القدح حقيقة في فعال السبب الفاعليّ القريب ، وجعل ذلك له تعالى لأنّه الفاعل الأوّل . وقوله : وآتت . إلى آخره .

--> ( 1 ) 39 - 63 .